السيد محمد الحسيني الشيرازي
15
من الآداب الطبية
على مباشرة الهواء ، وبصره على ملاقاة الضياء ، هاج الطلق بأمه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد ، وإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثدييها ، فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء ، وهو أشد موافقة للمولود من الدم ، فيوافيه في وقت حاجته إليه ، فحين يولد قد تلمظ وحرك شفتيه طلبا للرضاع ، فهو يجد ثديي أمه كالإداوتين المعلقتين لحاجته إليه ، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن ، رقيق الأمعاء ، لين الأعضاء ، حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ، ليشتد ويقوى بدنه ، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ، ليمضغ به الطعام فيلين عليه ويسهل له إساغته ، فلا يزال كذلك حتى يدرك ، فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر ، وعز الرجل الذي يخرج به من حد الصباء وشبه النساء ، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه . اعتبر يا مفضل : اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال ، أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوى ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ، ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموءود في الأرض ، ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا أو يتغذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ، ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيمه على الرضاع فلا يشد بدنه ولا يصلح لعمل ، ثم كان تشتغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقارا .